السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
248
مختصر الميزان في تفسير القرآن
ما كان من دأب الناس والحاق المخاطبين في هذا الشأن بهم فينطبق على ما نقل ان قريشا وحلفائها وهم الحمس كانوا لا يقفون بعرفات بل بالمزدلفة وكانوا يقولون : نحن أهل حرم اللّه لا نفارق الحرم فأمرهم اللّه سبحانه بالإفاضة من حيث أفاض الناس وهو عرفات . وعلى هذا فذكر هذا الحكم بعد قوله : فإذا أفضتم من عرفات ، بثم الدالة على التأخير اعتبار للترتيب الذكري ، والكلام بمنزلة الاستدراك ، والمعنى ان أحكام الحج هي التي ذكرت غير أنه يجب عليكم في الإفاضة ان تفيضوا من عرفات لا من المزدلفة ، وربما قيل : إن في الآيتين تقديما وتأخيرا في التأليف ، والترتيب : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، فإذا أفضتم من عرفات . قوله تعالى : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ - إلى قوله - ذِكْراً ، دعوة إلى ذكر اللّه والبلاغ فيه بأن يذكره الناس كذكره آبائه وأشد منه لان نعمته في حقه وهي نعمة الهداية كما ذكره بقوله تعالى : وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ أعظم من حق آبائه عليه ، وقد قيل : إن العرب كانت في الجاهلية إذا فرغت من الحج مكثت حينا في منى فكانوا يتفاخرون بالآباء بالنظم والنثر فبدله اللّه تعالى من ذكره كذكرهم أو أشد من ذكرهم ، وأو في قوله أو أشد ذكرا ، للاضراب فتفيد معنى بل ، وقد وصف الذكر بالشدة وهو امر يقبل الشدة في الكيفية كما يقبل الكثرة في الكمية ، قال تعالى : اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ( الأحزاب / 41 ) ، وقال تعالى : وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً ( الأحزاب / 35 ) ، فإن الذكر بحسب الحقيقة ليس مقصورا في اللفظ ، بل هو امر يتعلق بالحضور القلبي واللفظ حاك عنه ، فيمكن ان يتصف بالكثرة من حيث الموارد بأن يذكر اللّه سبحانه في غالب الحالات كما قال تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ ( آل عمران / 191 ) ، وان يتصف بالشدة في مورد من الموارد ، ولما كان المورد المستفاد من قوله تعالى : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ ، موردا يستوجب التلهي عنه تعالى ونسيانه كان الأنسب توصيف الذكر الذي أمر به فيه بالشدة دون الكثرة كما هو ظاهر .